أحمد بن محمد المقري التلمساني

208

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

بجامع بوقير بتونس ، فسألته عن ذلك ، فلم يزد على أن قال : هذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام « فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله « 1 » » وقد علمتم ما قال الشيخ تقي الدين فيه . قلت : كلام تقي الدين لا يعطي الجواب عن الآية ، فتأمله . وقاضي المناكح أبا محمد الأجمي ، وهو حافظ فقهائها في وقته ، والفقيه أبا عبد اللّه بن هارون شارح ابن الحاجب في الفقه والأصول ، والخطيب أبا عبد اللّه بن عبد الستار ، وحضرت تدريسه بمدرسة المعرض ، والعلّامة أبا عبد اللّه بن الجياب الكاتب ، والفقيه أبا عبد اللّه بن سلمة ، والشيخ الصالح أبا الحسن المنتصر وارث طريقة الشيخ أبي محمد المرجاني آخر المذكورين بإفريقية ، ورأيت الشيخ ابن الشيخ المرجاني ، فحدّثني أبو موسى ابن الإمام أنه أشبه من الغراب بالغراب ، وسيدي أبا عبد اللّه الزبيدي المتقدّم ذكره ، وأوقفني على خطأ في كتاب الصّحاح ، وذلك أنه زعم أنّ السالم جلدة ما بين العين والأنف ، قال : وفيه يقول ابن عمر في ابنه سالم : [ الطويل ] يديرونني عن سالم وأديرهم * وجلدة بين الأنف والعين سالم « 2 » قال : وهذا أراد عبد الملك حيث كتب إلى الحجاج « أنت مني كسالم » وهو خطأ فاحش ، وكان يلزمه أن يسميها بالعمارة أيضا ؛ لقوله عليه السلام « عمارة جلدة ما بين عيني وأنفي » وإنما يراد بمثل هذا القرب والتحمد . ولقيت بتونس غير واحد من العلماء والصلحاء يطول ذكرهم ، ثم قفلت إلى المغرب يسايرني رجل من أهل قسمطينة « 3 » يعرف بمنصور الحلبي ، فما رأيت « 4 » رجلا أكثر أخبارا ولا أظرف نوادر منه ، فممّا حفظته من حديثه أنّ رجلا من الأدباء مرّ برجل من الغرباء ، وقد قام بين ستة أطفال ، جعل ثلاثة عن يمينه وثلاثة عن شماله ، وأخذ ينشد : [ البسيط ] ما كنت أحسب أن أبقى كذا أبدا * أعيش والدهر في أطرافه حتف

--> ( 1 ) هذا من حديث النية رواه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته . . . الخ » الحديث . أخرجه البخاري 1 : 1507 . ومسلم : 1905 . وأخرجه أبو داود : 2201 والترمذي : 1647 ، والنسائي 1 : 59 ، 60 . ( 2 ) يديرونني : أراد أنهم يحاولون أن يلفتوه عن ابنه سالم ويحوّلوا قلبه عن محبته ، في حين أن سالما منه بمنزلة الجلدة التي بين العين والأنف ، وهذه - على ما يقال - من أدق أجزاء البدن حساسية . ( 3 ) في ب « من أهل قسنطينة » . ( 4 ) في ب « فما لقيت رجلا » .